سيد قطب
2560
في ظلال القرآن
وَخَسَفَ الْقَمَرُ ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ » . . « فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ » . . « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ : يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ، فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً » . . « وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ » . . « وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً » . . « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ » . . « يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ » . . فهذه الآيات كلها تنبئ بأن نهاية عالمنا هذا ستكون نهاية مروعة ، ترج فيها الأرض وتدك ، وتنسف فيها الجبال ، وتتفجر فيها البحار إما بامتلائها من أثر الاضطراب ؛ وإما بتفجر ذراتها واستحالتها نارا . كذلك تطمس فيها النجوم وتنكدر ، وتشقق فيها السماء وتنفطر ، وتتحطم فيها الكواكب وتنتثر ، وتختل المسافات فيجمع الشمس والقمر ، وتبدو السماء مرة كالدخان ومرة متلهبة حمراء . . إلى آخر هذا الهول الكوني الرعيب . وفي هذه السورة - الفرقان - يخوف اللّه المشركين بتشقق السماء بالغمام . وقد يكون هو السحب المتراكمة من أبخرة تلك الانفجارات المروعة . وتنزل الملائكة يومئذ على الكافرين كما كانوا يقترحون ، لا لتصديق الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولكن ليتولوا عذابهم بأمر ربهم « وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً » بما فيه من هول ، وبما فيه من عذاب . . فما لهم يقترحون نزول الملائكة وهم لا ينزلون إلا في مثل ذلك اليوم العسير ؟ ثم يعرض مشهدا من مشاهد ذلك اليوم ، يصور ندم الظالمين الضالين . يعرضه عرضا طويلا مديدا ، يخيل للسامع أنه لن ينتهي ولن يبرح . مشهد الظالم يعض على يديه من الندم والأسف والأسى : « وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ : يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا » . . ويصمت كل شيء من حوله ؛ ويروح يمد في صوته المتحسر ، ونبراته الأسيفة ؛ والإيقاع الممدود يزيد الموقف طولا ويزيد أثره عمقا . حتى ليكاد القارئ للآيات والسامع يشاركان في الندم والأسف والأسى ! « وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ » . . فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها . إنما هو يداول بين هذه وتلك ، أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين . وهي حركة معهودة يرمز بها إلى حالة نفسية فيجسمها تجسيما . « يَقُولُ : يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا » . . فسلكت طريقه ، لم أفارقه ، ولم أضل عنه . . الرسول الذي كان ينكر رسالته ويستبعد أن يبعثه اللّه رسولا ! « يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا » . . فلانا بهذا التجهيل ليشمل كل صاحب سوء يصد عن سبيل الرسول ويضل عن ذكر اللّه « 1 » . . « لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي » . . لقد كان شيطانا يضل ، أو كان عونا للشيطان « وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا » يقوده إلى مواقف الخذلان ، ويخذله عند الجد ، وفي مواقف الهول والكرب . . وهكذا راح القرآن يهز قلوبهم هزا بهذه المشاهد المزلزلة ، التي تجسم لهم مصيرهم المخيف ، وتريهم إياه
--> ( 1 ) تذكر بعض الروايات في سبب نزول هذه الآيات ، أن عقبة بن أبي معيط كان يكثر من مجالسة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فدعاه إلى ضيافته ، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ، ففعل . وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه ، وقال له : صبأت . فقال : لا واللّه ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له فقال : لا أرضى منك إلا أن تأتيه ، فتطأ قفاه وتبزق في وجهه . فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك . فقال له النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - « لا ألقاك خارج مكة إلا علوت رأسك بالسيف » فأسر يوم بدر فأمر عليا فقتله .